دراسة حالة
من تفتت السياسات إلى التآزر النظامي: كيف تصبح المدن الذكية محركًا للحوكمة لتحقيق الحياد الكربوني
المدن الذكية وتحييد الكربون يقعان تحت إدارات مختلفة، فكيف يمكن تحقيق التآزر بينهما من خلال الحوكمة الرقمية؟ دراسة تستهدف الحكومات المحلية في الصين تكشف عن آليات مؤسسية وتقنية قابلة للتكرار.
تمر المدن في الوقت نفسه بتحوّلين عميقين: الرقمنة وإزالة الكربون. ومن المفترض أن يدعم أحدهما الآخر، لكنهما في كثير من الأنظمة الإدارية يُفصَلان غالبًا بين إدارات وأُطر سياسات مختلفة. فمشاريع المدن الذكية تتولاها مؤسسات تكنولوجيا المعلومات، بينما أهداف تحييد الكربون تتبع إدارات حماية البيئة والطاقة. وقد يكون هذا التقسيم فعّالًا في إطار مهمة واحدة، لكن عندما يتعيّن على المدن إنجاز التحوّلين في الجدول الزمني نفسه، يصبح تجزؤ السياسات عائقًا منهجيًا.
المشكلة لا تكمن في الإدارات نفسها، بل في انفصال منطق الحوكمة. فإذا كانت الرقمنة تخدم فقط رفع الكفاءة، وكان الهدف المناخي يُعامل بوصفه قيدًا على الانبعاثات، فمن الصعب أن يتشكل تآزر بينهما. على المستوى العالمي، يحاول الاتحاد الأوروبي دمج الأهداف المناخية في السياسات الرقمية عبر «القانون الأوروبي للمناخ» والصفقة الخضراء، لكن كثيرًا من الدول ما تزال تفتقر إلى إطار تنسيق علوي مماثل. في الصين، على الرغم من أن هدفَي الكربون المزدوج وتجاربَ المدن الذكية يُعَدّان استراتيجيتين وطنيتين، فإن الحواجز المؤسسية على مستوى التنفيذ المحلي ما تزال واضحة.
تتناول دراسة حالة نُشرت في «Frontiers in Environmental Science» كيف تحاول الحكومات المحلية الصينية كسر هذا الجمود. وتشير الدراسة إلى أن الاعتماد على تكديس التقنيات أو إعادة التنظيم المؤسسي وحده لا يكفي لحل المشكلة؛ بل يكمن المفتاح في بناء آلية حوكمة تتيح للهدفين العمل بشكل متآزر. ومن خلال تحليل نشر البنية التحتية الرقمية، وإعادة هيكلة منصات التنسيق بين الإدارات، وتطبيق الأدوات الرقمية في الخدمات العامة منخفضة الكربون، تستخلص الدراسة ثلاث آليات مترابطة:
أولًا، تُعد مأسسة حوكمة البيانات الرقمية رفيعة المستوى أساسًا. فعندما تُرفع البيانات إلى مستوى مورد عام لحوكمة المدينة، لا أصلًا خاصًا بإدارة بعينها، يصبح تدفق المعلومات بين الإدارات ممكنًا. ويعني ذلك الحاجة إلى وضع معايير بيانات موحّدة، وبروتوكولات مشاركة، وحدود واضحة للحقوق والمسؤوليات المتعلقة بالبيانات. وفي بعض المدن الرائدة، يتجلى ذلك في إنشاء لجنة للحوكمة الرقمية يرأسها كبار قادة الحكومة، وتتولى التنسيق المباشر لمشاركة البيانات وربط الأنظمة.
ثانيًا، تُعد آليات التنسيق الرسمية بين الإدارات في غاية الأهمية. فالفرق العاملة المؤقتة غالبًا ما تفقد استمراريتها بسبب تغيّر الموظفين، ولا يمكن ضمان اتساق السياسات إلا بإدراج سلوك التنسيق في النصوص المؤسسية. وتُظهر حالة الدراسة أن الحكومة المحلية أنشأت مكتبًا مشتركًا دائمًا للتحول الذكي منخفض الكربون، يعمل على دمج مؤشرات الأداء وإجراءات مراجعة المشاريع التي كانت متفرقة، بحيث تتقاسم مشاريع المدن الذكية وأهداف خفض الكربون نظام التقييم نفسه. وقد ساهم هذا الترتيب المؤسسي في تقليل تكاليف المساومات بين الإدارات بشكل فعّال.
ثالثًا، يجب أن تتغلغل التقنيات الرقمية بعمق في عمليات الخدمات العامة منخفضة الكربون. فمن إشارات المرور الذكية التي تحسّن تدفق المركبات للحد من الانبعاثات، إلى المراقبة اللحظية والتحكم الديناميكي في استهلاك الطاقة بالمباني، وصولًا إلى تتبع البصمة الكربونية استنادًا إلى البيانات الضخمة، لا تقتصر قيمة التقنية على المراقبة، بل تتجاوزها إلى تقديم حلول تدخّل قابلة للتنفيذ. وتشير الدراسة إلى أن كفاءة الخدمات منخفضة الكربون لا تتحسن فعليًا إلا عندما تصبح الأدوات الرقمية بنية تحتية للخدمات العامة، لا مجرد تطبيقات شكلية. على سبيل المثال، تقوم بعض المدن بتحليل بيانات الطاقة والنقل والبيئة مجتمعة عبر مركز موحّد لإدارة العمليات الحضرية، مما يتيح رسمًا دقيقًا لصورة الانبعاثات الكربونية واستجابة ديناميكية لها.هذه الآليات لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تشكّل حلقة تنسيقية مغلقة. فحوكمة البيانات تكسر جزر المعلومات، والآليات المشتركة بين الإدارات توفّر قنوات لاتخاذ القرار، بينما تعمل الخدمات الرقمية على تحويل النوايا السياساتية إلى إجراءات ملموسة. وفي هذا الإطار، لم تعد المدن الذكية محركًا محتملًا لانبعاثات الكربون، بل أصبحت مسرّعًا تقنيًا لأهداف الحياد الكربوني.
على الصعيد العالمي، تحمل هذه الدراسة دلالات تتجاوز الحدود الوطنية. فكثير من المدن تواجه تحديات بيروقراطية مماثلة: إذ ينتمي الابتكار الرقمي والعمل المناخي إلى مجالات تخصصية مختلفة تفتقر إلى نقاط التقاء. ويقدّم الإطار المشترك للاتحاد الأوروبي نموذجًا للتصميم رفيع المستوى، بينما تُظهر الممارسات المحلية في الصين إمكانية تحقيق اختراقات من القاعدة إلى القمة. وبالنسبة إلى البلدان النامية، قد يكون هذا المسار التكاملي الذي يراعي المؤسسات والتكنولوجيا معًا أكثر قيمةً على المدى الطويل من مجرد اقتناء أجهزة ذكية.
لن يعود التنافس الحضري في المستقبل مرهونًا فقط بالقدرة الحاسوبية أو عدد أجهزة الاستشعار، بل بمدى قدرة أنظمة الحوكمة على تحويل الرقمنة والاستدامة إلى عمل منسق. والمدن التي تبادر إلى هدم الحواجز بين إداراتها وإرساء آليات لتبادل البيانات واتخاذ القرار المشترك، ستكون الأرجح في تحقيق السبق ضمن التحول منخفض الكربون. وكما تشير الدراسة، فإن المدن الذكية والحياد الكربوني ليسا مشروعين متوازيين، بل عمليتان جوهرتان في نظام تشغيل المدينة ذاته.
وعندما تحقق الحوكمة العامة فعلًا قفزةً من التفتت إلى النهج النظامي، عندها فقط يمكن للمدن أن تفي بوعودها بأن تصبح "أكثر ذكاءً" و"أكثر خضرة" في آنٍ واحد. لقد بدأت هذه إعادة الهيكلة للتوّ.
المصدر المرجعي: Shi, Y., & Gong, Y. (2026). From policy fragmentation to coordinated action: re-engineering local governance for smart city development and carbon targets. Frontiers in Environmental Science, 14, 1756474. رابط النص الأصلي
ملاحظة السجل العام · smart-city-frontier
تضع smart-city-frontier هذه الملاحظة ضمن قناة / لا يوجد محتوى منشور في هذا القسم بعد / بيانات القسم غير متاحة مؤقتا. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص: قناة / لا يوجد محتوى منشور في هذا القسم بعد / بيانات القسم غير متاحة مؤقتا يوضح الزاوية التحريرية المحلية. ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق.